ابن عربي

311

الفتوحات المكية

فإن كان أعتق رقبة أعتق الله رقبته من النار وجاز إلى الموقف الثاني فيسأل عن القرآن وحقه وقراءته فإن جاء بذلك تاما جاز إلى الموقف الثالث فيسأل عن الجهاد فإن كان جاهد في سبيل الله محتسبا جاز إلى الموقف الرابع فيسأل عن الغيبة فإن لم يكن اغتاب جاز إلى الموقف الخامس فيسأل عن النميمة فإن لم يكن نماما جاز إلى الموقف السادس فيسأل عن الكذب فإن لم يكن كذابا جاز إلى الموقف السابع فيسأل عن طلب العلم فإن كان طلب العلم وعمل به جاز إلى الموقف الثامن فيسأل عن العجب فإن لم يكن معجبا بنفسه في دينه ودنياه أو في شئ من عمله جاز إلى الموقف التاسع فيسأل عن التكبر فإن لم يكن تكبر على أحد جاز إلى الموقف العاشر فيسأل عن القنوط من رحمة الله فإن لم يكن قنط من رحمة الله جاز إلى الموقف الحادي عشر فيسأل عن الأمن من مكر الله فإن لم يكن أمن من مكر الله جاز إلى الموقف الثاني عشر فيسأل عن حق جاره فإن كان أدى حق جاره أقيم بين يدي الله تعالى قريرا عينه فرحا قلبه مبيضا وجهه كاسيا ضاحكا مستبشرا فيرحب به ربه ويبشره برضاه عنه فيفرح عند ذلك فرحا لا يعلمه أحد إلا الله فإن لم يأت بواحدة منهن تامة ومات غير تائب حبس عند كل موقف ألف عام حتى يقضي الله عز وجل فيه بما يشاء ثم يؤمر بالخلائق إلى الصراط فينتهون إلى الصراط وقد ضربت عليه الجسور على جهنم أدق من الشعر وأحد من السيف وقد غابت الجسور في جهنم مقدار أربعين ألف عام ولهيب جهنم بجانبها يلتهب وعليها حسك وكلاليب وخطاطيف وهي سبعة جسور يحشر العباد كلهم عليها وعلى كل جسر منها عقبة مسيرة ثلاثة آلاف عام ألف عام صعود وألف عام استواء وألف عام هبوط وذلك قول الله عز وجل إن ربك لبالمرصاد يعني على تلك الجسور وملائكة يرصدون الخلق عليها ليسأل العبد عن الايمان بالله فإن جاء به مؤمنا مخلصا لا شك فيه ولا زيغ جاز إلى الجسر الثاني فيسأل عن الصلاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الجسر الثالث فيسأل عن الزكاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الجسر الرابع فيسأل عن الصيام فإن جاء به تاما جاز إلى الجسر الخامس فيسأل عن حجة الإسلام فإن جاء بها تامة جاز إلى الجسر السادس فيسأل عن الطهر فإن جاء به تاما جاز إلى الجسر السابع فيسأل عن المظالم فإن كان لم يظلم أحدا جاز إلى الجنة وإن كان قصر في واحدة منهن حبس على كل جسر منها ألف سنة حتى يقضي الله عز وجل فيه بما يشاء وذكر الحديث إلى آخره وسيأتي بقية الحديث إن شاء الله في باب الجنة فإنه يختص بالجنة ولم نذكر النشأة الأخرى التي يحشر فيها الإنسان في باب البرزخ لأنها نشأة محسوسة غير خيالية والقيامة أمر محقق موجود حسي مثل ما هو الإنسان في الدنيا فلذلك أخرنا ذكرها إلى هذا الباب ( وصل ) اعلم أن الناس اختلفوا في الإعادة من المؤمنين القائلين بحشر الأجسام ولم نتعرض لمذهب من يحمل الإعادة والنشأة لآخرة على أمور عقلية غير محسوسة فإن ذلك على خلاف ما هو الأمر عليه لأنه جهل إن ثم نشأتين نشأة الأجسام ونشأة الأرواح وهي النشأة المعنوية فأثبتوا المعنوية ولم يثبتوا المحسوسة ونحن نقول بما قاله هذا المخالف من إثبات النشأة الروحانية المعنوية لا بما خالف فيه وأن عين موت الإنسان هو قيامته لكن القيامة الصغرى فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول من مات فقد قامت قيامته وإن الحشر جمع النفوس الجزئية إلى النفس الكلية هذا كله أقول به كما يقول المخالف وإلى هنا ينتهي حديثه في القيامة ويختلف في ذلك بعينه من يقول بالتناسخ ومن لا يقول به وكلهم عقلاء أصحاب نظر ويحتجون في ذلك كله بظواهر آيات من الكتاب وأخبار من السنة إن أوردناها وتكلمنا عليها طال الباب في الخوض معهم في تحقيق ما قالوه وما منهم من نحل نحلة في ذلك إلا وله وجه حق صحيح وإن القائل به فهم بعض مراد الشارع ونقصه علم ما فهمه غيره من إثبات الحشر المحسوس في الأجسام المحسوسة والميزان المحسوس والصراط المحسوس والنار والجنة المحسوستان كل ذلك حق وأعظم في القدرة وفي علم الطبيعة بقاء الأجسام الطبيعية في الدارين إلى غير مدة متناهية بل مستمرة الوجود وأن الناس ما عرفوا من أمر الطبيعة إلا قدر ما أطلعهم الحق عليه من ذلك مما ظهر لهم في مدد حركات الأفلاك والكواكب السبعة ولهذا جعلوا العمر الطبيعي مائة وعشرين سنة الذي اقتضاه هذا الحكم فإذا زاد الإنسان على هذه المدة وقع في العمر المجهول وإن كان من الطبيعة ولم يخرج عنها ولكن ليس في قوة علمه أن يقطع عليه بوقت مخصوص فكما زاد على العمر الطبيعي سنة وأكثر جاز أن يزيد على ذلك آلافا من السنين وجاز